حوالي الفضاء (1- 2)
حوالي الفضاء (1- 2)

فى صحراء الفيوم، نظرتُ للتلسكوب الموجه ناحية السماء لأول مرة فى حياتى. كان ذلك فى عُطلة نهاية الأسبوع الماضى. متأخر جداً هذا الانضمام إلى عصر النهضة العلمية. جاليليو فعلها فى نوفمبر 1609. من ساعتها تغير كل شىء. ما رآه جاليليو، وما رأيته أنا منذ يومين (!)، يُغير نظرة الإنسان إلى نفسِه وإلى الكون من حوله. اللحظة التى طالع فيها جاليليو سطح القمر، بما عليه من أخاديد وشقوق، هى لحظة سقوط مُسلمة كُبرى عاش عليها الإنسان قروناً طويلة. هذا الرجلُ الإيطالى حاد المزاج، الشغوف إلى حد الجنون بالعلم وبالجدل العلمى، أَكَّدََّ ما وضعه «كوبرنيكوس» قبله فى صورة نظرية. هو أنهى إلى الأبد شعور الإنسان بمركزيته. الأرض لم تعُد مركز الكون، بل الشمس. الأرضُ مجرد جُرم سماوى فى مجموعة من الأجرام التى تدور- مثله- حول الشمس. هذا الكشف فتح أمام التفكير الإنسانى آفاقاً بلا حدود.

وَعدَنا عمرو عبدالوهاب بسيلٍ منُهمرٍ من الشُهُب يُمكن مُشاهدتُه فى صحراءِ الفيومِ فى ليلِ الجمعة وفجر السبت الماضى. إما أن عينى قد غَفلت عند اللحظةِ العظيمةِ المُنتظرة، وإما أن الشُهُب خيبت ظنوننا. على أنّ ما رأيتُه يكفى ويزيد!.

عمرو خريج كلية العلوم ومتُخصص فى الفضاء. قاده شغفه بهذا العلم إلى تكوين جمعية تُعنى بنشر المعرفة بالفضاء بين الشباب. Astrotrips تأخذك فى رحلاتٍ للرصد الفلكى فى الصحارى. الفائدة مزدوجة: ارتياد بقاع غير مألوفة بالنسبة لنا من أرض الوطن، والاستمتاع بتأمل الفلك بعيداً عن أضواء المدينة التى تحجب عنّا بهاء سماء فى الليل. لا أريد أن أبدو كمن يُحرض القارئ على المُشاركة فى هذه الرحلات، فما يقوم به عمرو هو فى النهاية مشروع تُجارى. على أننى لاحظتُ أن مبلغ الاشتراك المُحدد فى الرحلة والمبيت لليلة فى مُخيم- فى مكان ليس بعيداً عن وادى الحيتان- لا يكاد يُغطى تكلفة الفرد. عمرو يقول إن غرضه الأول هو كتـب الشغف بالفضاء. أتصورُ أيضاً أن إتاحة هذه الخدمة بتكلفة معقولة يجذبُ المزيد من الناس، وهى استراتيجية سليمة لتوسعةِ النشاط.

جلسنا أمام المُخيم نستمع إلى مُحاضرة مختصرة لعمرو. فى مجرة درب التبانة مليار نجم، مثل شمسنا وغيره أكبر بكثير. فى الكون تريليونات المجرات. وجه مُحاضرنا شعاع الليزر إلى نجم «الشعرى اليمانية». هذا هو أسطع النجوم فى السماء كَذَلِكَ عُلِيَ الْجَانِبُ الْأُخَرَ يبدو لنا. هو رابع ألمع جُرم فى السماء بعد الشمس والقمر وكوكب الزهرة. ربما لهذا السببُ عبده القُدماء، وفى القرآن الكريم إشارةٌ إليه: «وأنه هو ربُ الشعرى». رأينا كذلك نجم الشمال (بولاريس)، الذى طالما سمعنا عنه، واضحاً منيراً لا نجوم حوله تُخفيه. انتقلنا إلى نجم عِملاق يُسمى «قلب العقرب». هذه العملاق الأحمر الْقَدِيرُ الذى يبعد عنّا 600 سنة ضوئية. نصف قطره يساوى 800 مرة نصف قُطر الشمس، ولذلك نراه من الأرض بوضوح. أُذكرك بأن الضوء يقطع المسافة من القمر إلى الأرض فى ثانية واحدة. أى أن المسافة إلى القمر هى «ثانية ضوئية». تخيل كم تبلغ مسافة السنة الضوئية. تخيل أن المسافة إلى حافة الكون- الذى يُمكن رصده- تستغرق 13.7 مليار سنة ضوئية!.

المُحاضرة جرت أسئلةً مُعتادة عن حياة مُحتملة على كواكب أخرى، وعن التنجيم. ابنتى كان لديها سؤال نسينا أن نوجهه للمُحاضر: كيف نرى مجرة درب التبانة بالنظر إلى السماء، بينما نحن داخلها؟! ندخِّر السؤال للمرة الْمُقْبِلَةُ!.

الجمهور بدا مشدوداً لهذه المعارف الأولية حول الفلك. النظر فى التلسكوب كان أكثر إدهاشاً. لأول مرة أرى الحلقات الدائرية المُحيطة بكوكب زُحل، تماماً كَذَلِكَ عُلِيَ الْجَانِبُ الْأُخَرَ هى فى الرسوم الشهيرة له. أعود بالذاكرة إلى وقتِ دراستنا للكواكب والأجرام السماوية فى المدرسة. أسترجع كيف فشلَّ مُدرسونا، ونظامنا التعليمى، فى إثارة شغفنا بهذا العالم الآسر. الشغفُ كلمة مُفتاحية فى أى منظومة تربوية لتنشئة الفرد الناضج. الشغف بالأشياء يكون مُتقداً فى سنوات الطفولة الأولى، ثم يخبو تدريجياً. الاعتيادية والنمطية تقتله مع الوقت. قلما نُصادف من يحملون شغفهم من خلال رحلة الحياة. هؤلاء هم المحظوظون حقاً، ذلك أن شغفهم بهذا الشىء أو ذاك يظل ملجأهم الأثير، وحصنهم الحصين، فى مواجهة رتابة الحياة واعتياديتها.

الفضاء بالذات يُثير اهتمام الأطفال، وكذا الكبار. هو ليس مجرد موضوع علمى. هو يضع الإنسان أمام أسئلة فلسفية كُبرى. يغير نظرته لحياته وذاته. الحقيقة أن قصة تطور المعرفة بالفلك، وما وصلت إليه هذه المعرفة فى الوقت الحاضر، تُعَدُ من أكثر الملاحم العلمية إثارةً فى التاريخ البشرى. إلى الأسبوع القادم.


[email protected]

اشترك الآن لتصلك أهم الأخبار لحظة بلحظة

المصدر : المصرى اليوم