الحادث.. والمعدن الأصيل!
الحادث.. والمعدن الأصيل!

دخلت عزبة الشيخ فى منطقة خورشيد بمدخل الإسكندرية التاريخ.. ليس لأن عندها وقع حادث القطارين منذ أيام.. ولكن لأن أهلها أحيوا سلوكاً مصرياً عريقاً، لا يوجد إلا فى مصر.

ذلك أن القرية كانت تستعد من اجل أحياء حفل زفاف أحد شبابها فى يوم الجمعة - نفس يوم الحادث - وأقامت سرادق الحفل وجهزوا الساحة الوحيدة فى القرية، وفي غضون ذلك فقد كانت البداية الفرقة الموسيقية واجبها بعزف الموسيقات الملائمة للعرس، بينما انهمكت سيدات القرية فى إعداد صوانى الطعام.. والقرية التى تستعد وتنتظر لحظة الفرح منذ حوالى عامين وتجرى الاستعدادات منذ 10 أيام.. كانت تنتظر لتفرح، وفي غضون ذلك فقد كــــان المكان جاهزاً للفرحة.. مع بهجة الأنوار التى تم تعليقها وسط الأعلام.

وفجأة وقعت الحادثة عقب صلاة الجمعة.. فانطلق كل سكان القرية يحاولون إنقاذ من يمكن إنقاذه.. يحملون الجرحى.. ويخرجونهم من تحت جبل الحديد «المصرى»، أى القطارين!! حتى شباب القرية كانوا يستعدون لإقامة مباراتهم فى الساحرة المستديرة التى ينتظرونها مرة كل أسبوع.. ونسى العريس، بل كل سكان القرية، فرح ابنهم على ابنتهم.. تماماً كَذَلِكَ عُلِيَ الْجَانِبُ الْأُخَرَ نسى الشباب مباراتهم، وأسرعوا كمصريين وخرجت من داخلهم سلوكيات الإنسان المصرى الشهم التى ورثها وترسخت فى داخله آلاف السنين.

ولكن أعظم ما أخرج الحدث هو إلغاء حفل الزواج.. والمشاركة فى تقبل الحدث الأليم.. ولم تطلق سيدة واحدة «زغروتة» ولو مكتومة.. المهم ألا مكان للفرح.. والمأساة أمام أعين الكل.. هنا تجلت «الشخصية المصرية» الأصيلة.. كيف يفرحون بينما القرية، وربما كل أهل مصر، يجترون حزنهم على الضحايا، وتم تحميـل «أحبال الكهرباء» بما تحمله من لمبات.. وتم إسكات فرقة الموسيقى النحاسية التى جاءت «وقبضت» مقدم أجرتها.. واعتذر أهل العريس للفرقة.. وغادرت القرية وأحد أعمام العريس يقول: لازم نراعى ظروف الناس، واكتفى العريس بعقد القران «سكيتى» بلا موسيقى وبلا شريط كاسيت يردد أغانى الأفراح.. وبلا أى «زعزوتة».. بل إن الطعام الذى كان أهل القرية يعدونه لإهدائه إلى العروسين والمعازيم.. أسرعوا فى استكماله.. وقدموه للمصابين وأهلهم الذين جاءوا.. وكما تم الفرح «سكيتى».. لم يكن «حبل نور» يزين ساحة العرس.. فقط مجرد لمبات بسيطة تدل من جاء من القرى للمشاركة فى العرس.. فجاءوا للمشاركة فى الإنقاذ.

** ترى.. كيف خرج من صدور هؤلاء المصريين، هذا المكمون الشعبى الأصيل الذى عاش عليه كلنا - زمان - فلا أفراح ولا رقصات ولا مزمار، لأن هناك من مات.. وهذا هو المعنى الحقيقى للمشاركة الإنسانية.. ومازلت أتذكر كيف أن أهل الحارة - والدرب - والشارع يصرون على عدم إبداء الفرحة.. طوال 40 يوماً، فلا أعراس.. ولا حتى أعياد ميلاد ولا راديو.. إلا على القرآن الكريم. وأتذكر كيف ضربنى أبى قلماً رهيباً على خدى لأننى ضربت «بومبة» أول أيام العيد، وفي غضون ذلك فقد كــــان أحد جيراننا قد رحل.. وكنت يومها دون الخامسة.. وهكذا وعيت الدرس.

■ كان ذلك سلوك كل المصريين زمان: المشاركة فى الحزن أكثر من المشاركة فى الأفراح.. بل كان العرسان يؤجلون أفراحهم التى سبق أن اتفقوا عليها.. أو لو كانوا مضطرين.. هنا فقط «يدخلون سكيتى»!!.

■ وعظيمة يا مصر يا أرض النعم.. بسلوكياتهم الإنسانية الرائعة، التى سرعان ما تظهر معدنهم الأصيل.. وقت الشدة!!

اشترك الآن لتصلك أهم الأخبار لحظة بلحظة

المصدر : المصرى اليوم